تقرير بحث النائيني للكاظمي
110
فوائد الأصول
مخالفة الأمارة للواقع . وبالجملة : لا نرى في دفع محذور التضاد عند مخالفة الطرق والأمارات للواقع أقرب من القول بتأصلها في الجعل ( 1 ) هذا كله في باب الطرق والأمارات . وأما الأصول المحرزة : فالأمر فيها أشكل ، وأشكل منها الأصول الغير المحرزة - كأصالة الحل والبراءة - فان الأصول بأسرها فاقدة للطريقية ، لأخذ الشك في موضوعها ، والشك ليس فيه جهة إرائة وكشف عن الواقع ، حتى يقال : إن المجعول فيها تتميم الكشف ، فلابد وأن يكون في مورد الأصول حكم مجعول شرعي ، ويلزمه التضاد بينه وبين الحكم الواقعي عند مخالفة الأصل له . هذا ، ولكن الخطب في الأصول التنزيلية هين ، لأن المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر وجعله كالعدم ( 2 ) ولأجل ذلك قامت مقام القطع المأخوذ في الموضوع على
--> ( 1 ) أقول : علم الله ! لو خليت الاعتساف ومشيت على وفق الإنصاف وتأملت فيما ذكرناه - في الحاشية السابقة بطولها - ترى عدم البد من الالتزام بلزوم التضاد ظاهرا بين الحكم الواقعي والظاهري ، وعدم تمامية ما أفيد في التخلص عنه . ثم لئن أغمض عما ذكرنا وقلنا برفع التضاد بالتقريب المزبور ، لكن يبقى في البين شبهة نقض الغرض بالتقريب الذي بيناه في شرح كلام " ابن قبة " ولا مجال حينئذ لقياس الطرق المجعولة باليقين الحاصل على خلاف الواقع ، إذ في أمثال اليقين انتقاض قهري ، بخلاف الطرق ، فإن في جعلها على خلاف مرامه نقض لغرضه بالاختيار ، وهو محال . وفي هذه الشبهة لا فرق بين أن يكون المجعول حكما تكليفيا أم وضعيا . نعم : مثل هذا المقرر لما لم يتعرض من الأول مثل هذه الشبهة وقصر النظر بشبهة التضاد بين الأحكام ، كان له الاقتصار في دفع شبهته بما أفاد ، وإلا فلو فتح البصر ونظر إلى هذه الشبهة أيضا لا محيص له إلا من الالتزام برفع اليد عن فعلية الواقع بمرتبة لا يلزم على خلافه نقض غرض ، ولا نعنى من مراتب الحكم أيضا إلا هذا ، كما لا يخفى ، فتدبر . ( 2 ) أقول : لا نفهم من هذا التعبير معنى محصلا ، إذ البناء العملي فعل المكلف ، ولا معنى لجعله ، وأنما المجعول هو الأمر به الذي مرجعه إلى الأمر بالمعاملة مع المشكوك معاملة الواقع ، كما هو مفاد هيئة " لا تنقض " الراجع إلى الأمر بالإبقاء في مقام العمل ، وحينئذ مرجع الكلام إلى مفاد هذا الأمر عند المخالفة مع الإرادة الواقعية ، والتعبير بالهوهوية وإن كان تعبيرا عرفانيا لطيفا ، لكن لا يفهم له معنى في المقام إلا الأمر بالبناء على وجود الواقع المشكوك ، وهذا الأمر بعدما كان موجودا عند المخالفة يقع الكلام في الجمع بينهما . نعم : لئن فرضنا المجعول نفس البناء على وجود الواقع عملا كان لما أفيد وجه ، إذ حينئذ أمكن دعوى أن شأن التكليف هذا البناء الموجب لوجود الواقع عند المخالفة بلا جعل عند المخالفة . لكن هذا المعنى يستحيل أن يجئ تحت الجعل ، كما عرفت . وتوهم أن شأن العقلاء البناء المزبور والشارع أمضاهم على بنائهم ، قد عرفت تفصيله وأنه لا ينتج شيئا في المقام ، فراجع .